مجموعة مؤلفين
162
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
إلى شجرة المنتهى - الإيمان - وأشبعوا أنفسهم من ثمارها ، وبهذا ترتفع عن قلوبهم الحجب ، وتتكشف لهم الأسرار . بل صوّر ابن عربى المعراج الروحي في صورة أكمل من هذه الصورة في فتوحاته ، في الفصل الذي أشرنا إليه من قبل عن كيمياء السعادة « 1 » ويوصى ابن عربى من ينشد السعادة أو الكمال أن يسترشد برسول اللّه ، ولا يقنع بهدى العقل كما يفعل الفلاسفة والمتكلمون حتى لا يتخلف في الطريق ، ويتصور في معراجه الروحي اثنين يسلكان إلى اللّه ، أحدهما يتبع رسول اللّه ويقتدى به فيحصل علمه كشفا وإشراقا ، وثانيهما فيلسوف « يأخذ العلم بالأدلة العقلية من النظر الفكري » ، يبدءان على اتفاق في مزاولة الرياضة النفسية ، ويمارسان المجاهدة . » كل منهما بطريقته ، هذا بنظره ، وهذا بما شرع له أستاذه ومعلمه المسمى شارعا » فإذا تخلصا من قيود الجسم انفتحت لهما أبواب السماء وسارا في طريقهما متفقين أول الأمر ، ثم يفترقان فإذا الفليسوف المتعقل وقد تملكته الحيرة وتولاه الغم واستغرقه الندم على ما فات ، وإذا التابع مهتد بنور الإيمان إلى شهود تتكشف فيه أسرار الذات الإلهية ، وتتحقق له السعادة العظمى . ومع هذا فإن ابن عربى يجاهر بأن العارف - بالغة ما بلغت مرتبته في الفناء - لا يستطيع أن يتخلص من نفسه وأن يمحو منها كل آثار عبوديته ، ومن أجل هذا نصح العارف ألّا يدعى مقام الربوبية ، وأن يبقى على عبوديته « 2 » . وقد صور ابن عربى العارف الذي جمع بين وحدة الشهود ووحدة الوجود فحقق السعادة العظمى في صورة « الإنسان الكامل » وقد قيل إنه واضع هذا الاصطلاح الذي تعمق معناه بعده عبد الكريم الجيلاني « 3 » وهو يمثل كل معاني الكمال الإلهى ومن ثم كان أحق الموجودات بأن يكون خليفة اللّه في
--> ( 1 ) المصدر نفسه 270 وما بعدها . ( 2 ) ابن عربى فصوص الحكم : 2 : 84 ( 3 ) في كتابه : الإنسان الكامل في معرفة الأوائل والأواخر - جزءان .